السيد عبد الأعلى السبزواري

181

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 216 ] . وتدلّ الآية الشريفة على انحصار الخير فيه تعالى ، فيستفاد منها ومن أمثالها أمران : الأوّل : أن ذاته تبارك وتعالى خير محض ، لقاعدة : « ان معطي الشيء لا يمكن أن يكون فاقدا له » ، فهو تعالى خير على الإطلاق ، ولكن لم يرد في الكتاب والسنّة إطلاق الخير بنحو الاسمية ، وإنما ورد في القرآن الكريم على نحو التوصيف ، قال تعالى : وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى [ سورة طه ، الآية : 73 ] ، وقوله تعالى : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ سورة يوسف ، الآية : 39 ] ، ولعلّ عدم إطلاق لفظ الخير عليه تعالى لتنزيهه عمّا يتبادر في أذهان الناس من نسبته إلى غيره . نعم اطلق عليه بنحو الإضافة في موارد متعدّدة ، مثل قوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سورة الحج ، الآية : 58 ] ، وقوله تعالى : وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 29 ] ، وقوله تعالى : وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ [ سورة يونس ، الآية : 109 ] ، ونحو ذلك وإطلاقه في جميع الآيات الشريفة من باب إضافة الصفة إلى الاسم الذي ورد التوقيف فيه ، وهو لا محذور فيه . الأمر الثاني : أنها تدلّ على أصالة الماهيّة في الجعل ، كما عليها أغلب المتكلّمين وجمع كثير من الفلاسفة ، لأن الخير المطلق وملكوت الأشياء ليس إلا حقائقها ، فإذا لا حظنا الحقائق باعتبار إضافتها الإيجادية الإشراقية إليه تعالى تشمل الحقائق بوجوداتها وماهياتها ، وليس ذلك تعدّدا في الجعل حتّى يلزم عليه مناقشات ومحذورات ، لأنّه بعد فرض كون أحدهما تبعا محضا للآخر ، كالماهيّة إن قلنا بأصالة الوجود ، فالوجود إن قلنا بأصالة الماهيّة ، فأين التعدّد الخارجي حتى يلزم المحذور ، ولا ينافي ذلك ما اشتهر بين الفلاسفة من أن الوجود خير محض ، لاتفاق الكلّ على أن الخيريّة المحضة إنما تكون بعد جعل الحقائق .